عثمان بن جني ( ابن جني )
207
الخصائص
باب في إدراج " 1 " العلة واختصارها هذا موضع يستمرّ ( النحويّون عليه ) ، فيفتق عليهم ما يتعبون بتداركه ، والتعذّر منه . وذلك كسائل سأل عن قولهم : آسيت الرجل ، فأنا أواسيه ، وآخيته ، فأنا أواخيه ، فقال : وما أصله ؟ فقلت : أؤاسيه ، وأؤاخيه - وكذلك نقول - فيقول لك : فما علّته في التغيير ؟ فتقول : اجتمعت الهمزتان ، فقلبت الثانية واوا ؛ لانضمام ما قبلها . وفي ذلك شيئان : أحدهما أنك لم تستوف ذكر الأصل ، والآخر أنك لم تتقصّ شرح العلّة . أمّا إخلالك بذكر حقيقة الأصل فلأن أصله " أؤاسوك " لأنه أفاعلك من الأسوة ، فقلبت الواو ياء لوقوعها طرفا بعد الكسرة ، وكذلك أؤاخيك أصله " أؤاخوك " لأنه من الأخوّة ، فانقلبت اللام لما ذكرنا ؛ كما تنقلب في نحو أعطى واستقصى . وأمّا تقصّى علّة تغيير الهمزة بقلبها واوا فالقول فيه أنه اجتمع في كلمة واحدة همزتان غير عينين ، ( الأولى منهما مضمومة ، والثانية مفتوحة ) و ( هي ) حشو غير طرف ، فاستثقل ذلك ، فقلبت الثانية على حركة ما قبلها - وهي الضمّة - واوا . ولا بدّ من ذكر جميع ذلك ، وإلا أخللت ؛ ألا ترى أنك قد تجمع في الكلمة الواحدة بين همزتين فتكونان عينين ، فلا تغيّر ذلك ؛ وذلك نحو سآل ورءاس ، وكبنائك من سألت نحو تبّع ، فتقول : " سؤّل " فتصحّان لأنهما عينان ، ألا ترى أن لو بنيت من قرأت مثل " جرشع " " 2 " لقلت " قرء " وأصله قرؤؤ ، فقلبت الثانية ياء ، وإن كانت قبلها همزة مضمومة ، وكانتا في كلمة واحدة ، لمّا كانت الثانية منهما طرفا لا حشوا . وكذلك أيضا ذكرك كونهما في كلمة واحدة ؛ ألا ترى أن من العرب من يحقّق الهمزتين إذا كانتا من كلمتين ؛ نحو قول اللّه تعالى : " السُّفَهاءُ "
--> ( 1 ) الإدراج في اللغة : لفّ الشئ في الشئ ، ودرج الكتاب : طيّه وأدرجت الكتاب إذا طويته . وانظر اللسان ( درج ) . ( 2 ) الجرشع : العظيم الصدر ، وقيل الطويل . اللسان ( جرشع ) .